الشوكاني

88

فتح القدير

له العبادة والدعوة ( ولا يقتلون النفس التي حرم الله ) أي حرم قتلها ( إلا بالحق ) أي بما يحق أن تقتل به النفوس من كفر بعد إيمان ، أو زنا بعد إحصان ، أو قتل نفس بغير نفس ( ولا يزنون ) أي يستحلون الفروج المحرمة بغير نكاح ، ولا ملك يمين ( ومن يفعل ذلك ) أي شيئا مما ذكر ( يلق ) في الآخرة ( أثاما ) والأثام في كلام العرب العقاب . قال الفراء : آثمه الله يؤثمه أثاما وآثاما : أي جازاه جزاء الإثم . وقال عكرمة ومجاهد : إن أثاما واد في جهنم جعله الله عقابا للكفرة . وقال السدي : جبل فيها . وقرئ " يلق " بضم الياء وتشديد القاف . قال أبو مسلم : والأثام والإثم واحد ، والمراد هنا جزاء الآثام فأطلق اسم الشئ على جزائه . وقرأ الحسن يلق أياما جمع يوم : يعنى شدائد ، والعرب تعبر عن ذلك بالأيام ، وما أظن هذه القراءة تصح عنه ( يضاعف له العذاب ) قرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي " يضاعف ، ويخلد " بالجزم ، وقرأ ابن كثير " يضعف " بتشديد العين وطرح الألف والجزم ، وقرأ طلحة بن سليمان " نضعف " بضم النون وكسر العين المشددة والجزم ، وهي قراءة أبي جعفر وشيبة . وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بالرفع في الفعلين على الاستئناف . وقرأ طلحة بن سليمان " وتخلد " بالفوقية خطابا للكافر . وروي عن أبي عمرو أنه قرأ " ويخلد " بضم الياء التحتية وفتح اللام . قال أبو علي الفارسي : وهي غلط من جهة الرواية ، ووجه الجزم في يضاعف أنه بدل من يلق لاتحادهما في المعنى ، ومثله قول الشاعر : إن علي الله أن تبايعا * تؤخذ كرها أو تجيء طائعا والضير في قوله ( ويخلد فيه ) راجع إلى العذاب المضاعف : أي يخلد في العذاب المضاعف ( مهانا ) ذليلا حقيرا ( إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا ) قيل هو استثناء متصل ، وقيل منقطع . قال أبو حيان : لا يظهر الاتصال لأن المستثنى منه محكوم عليه بأنه يضاعف له العذاب ، فيصير التقدير : إلا من تاب وأمن وعمل عملا صالحا فلا يضاعف له العذاب ، ولا يلزم من انتفاء التضعيف انتفاء العذاب غير المضعف . قال : والأولى عندي أن تكون منقطعا : أي لكن من تاب . قال القرطبي : لا خلاف بين العلماء أن الاستثناء عام في الكافر والزاني . واختلفوا في القاتل من المسلمين . وقد تقدم بيانه في النساء والمائدة ، والإشارة بقوله ( فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ) إلى المذكورين سابقا ، ومعنى تبديل السيئات حسنات أنه يمحو عنهم المعاصي ويثبت لهم مكانها طاعات . قال النحاس : من أحسن ما قيل في ذلك أنه يكتب موضع كافر مؤمن ، وموضع عاص مطيع . قال الحسن : قوم يقولون التبديل في الآخرة ، وليس كذلك إنما التبديل في الدنيا يبدل الله لهم إيمانا مكان الشرك ، وإخلاصا من الشك ، وإحصانا من الفجور . قال الزجاج : ليس يجعل مكان السيئة الحسنة ، ولكن يجعل مكان السيئة التوبة والحسنة مع التوبة . وقيل إن السيئات تبدل بحسنات ، وبه قال جماعة من الصحابة ومن بعدهم : وقيل التبديل عبارة عن الغفران : أي يغفر الله لهم تلك السيئات ، لا أن يبدلها حسنات . وقيل المراد بالتبديل : أن يوفقه لأضداد ما سلف منه ( وكان الله غفورا رحيما ) هذه الجملة مقررة لما قبلها من التبديل ( ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا ) أي من تاب عما اقترف وعمل صالحا بعد ذلك ، فإنه يتوب بذلك إلى الله متابا : أي يرجع إليه رجوعا صحيحا قويا . قال القفال : يحتمل أن تكون الآية الأولى فيمن تاب من المشركين ، ولهذا قال ( إلا من تاب وآمن ) ثم عطف عليه من تاب من المسلمين وأتبع توبته عملا صالحا ، فله حكم التائبين أيضا . وقيل أي من تاب بلسانه ولم يحقق التوبة بفعله ، فليست تلك التوبة نافعة ، بل من تاب وعمل صالحا فحقق توبته بالأعمال الصالحة ، فهو الذي تاب إلى الله متابا : أي تاب حق التوبة ، وهي النصوح ، ولذلك أكد بالمصدر ، ومعنى الآية : من أراد التوبة وعزم عليها فليتب إلى الله ، فالخبر في معنى الأمر كذا قيل لئلا يتحد الشرط والجزاء ، فإنه لا يقال من